الشيخ محمد رشيد رضا
30
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والتشديد أصل التخفيف الذي حذفت فيه الياء الثانية المنقلبة عن الواو في التشديد والاستفهام للانكار ، وهمزة الاستفهام داخلة على جملة محذوفة للعلم بها من السياق ( وهو من لطائف الايجاز ) عطف عليها قوله « وَمَنْ كانَ مَيْتاً » والتقدير أأنتم أيها المؤمنون كأولئك الشياطين أو كاوليائهم الذين يجادلونكم بما أوحوه إليهم من زخرف القول الذي غروهم به ، ومن كان ميتا بالكفر والجهل فأحييناه بالايمان وجعلنا له نورا يمشي به في الناس وهو نور الآن وما فيه من العلم الإلهي والهداية بالآيات إلى العلم النظري كمن مثله أي صفته ونعته الذي يمثل حاله هو أنه خابط في ظلمات الجهل والتقليد الأعمى وفساد الفطرة ليس بخارج منها لأنها قد أحاطت به وألفتها نفسه فلم يعد يشعر بالحاجة إلى الخروج منها إلى النور بل ربما يشعر بالتألم منه فهو بإزاء النور المعنوي كالخفاش بإزاء النور الحسي . هذا التقدير للجملة الاستفهامية المحذوفة هو الذي ارتضاه بعض المدققين في العربية ، ويمكن أن يقدر ما هو أب منه إلى المعنى الذي يصل الآية بما قبلها مباشرة وهو قوله تعالى ( وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) بأن يقال إن تقدير الكلام : إطاعة هؤلاء المتبعين لوحي الشياطين ، كطاعة وحي اللّه تعالى وهو النور المبين ، ومن كان ميتا بالكفر والشرك فأحييناه بالايمان ، وكان متسكعا في ظلمات الجهل والغباوة وتقليد أهل الضلال فجعلنا له نورا من آيات الآن المؤيدة بالحجة والبرهان ، يمشي به في الناس على بصيرة من أمره في دينه وآدابه ومعاملاته للناس ، كمن مثله المبين لحقيقة حاله كمثل السائر في ظلمات بعضها فوق بعض - ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر ؟ وفسر بعضهم النور بالدين والاسلام والمصداق واحد ، والعبرة في هذا المثل أن يطالب المسلم نفسه بأن يكون حيا عالما على بصيرة في دينه وأعماله وحسن سيرته في الناس ، وقدوة لهم في الفضائل والخيرات ، وحجة على فضل دينه على جميع الأديان ، وعلو آدابه على جميع الآداب هذا المثل عام يشمل كل من ينطبق عليه في زمن التنزيل وغيره وعليه عامة أهل التفسير . وروي أنه نزل في رجلين بأعيانهما والمراد واللّه أعلم أنه نزل في ضمن السورة صادقا عليهما ظاهرا فيهما أتم الظهور فان السورة نزلت جملة واحدة كما تقدم ومن استثنى منها بعض آيات لم يذكروا هذه الآية منها وإلا لكان شموله من باب قاعدة : العبرة